الراغب الأصفهاني
383
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وتأمل حال مريم عليها السّلام وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤنة الطلب ، وفيه أعظم معجزة ، فإنه لم يخلها من أن يأمرها بهزها ، فقال تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا « 1 » . وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل كذلك النفس بترك النظر والتفكر تتبلد وتتبله ، وترجع إلى رتبة البهائم . فحق الإنسان ألا يذهب عامة أوقاته إلا في إصلاح أمر دينه ودنياه ، ومتوصلا به إلى إصلاح أمر آخرته ، ومراعيا لها ، قال الحجاج : إن امرءا أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه ، أو يستغفر من ذنبه ، أو يفكر في معاده لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة . وإذا تأملت قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « سافروا تغنموا » « 2 » ، ونظرت إليه نظرا عاليا علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة المأوى ، ومصاحبة الملأ الأعلى ، بل مجاورة اللّه تعالى . وذلك يحتاج إلى أربعة « 3 » أشياء : معرفة المقصود المشار إليه بقوله تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 4 » . ومعرفة الطريق إليه المشار إليه بقوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
--> ( 1 ) مريم / 25 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) ذكر في ط خمسة أشياء ، وفي د ثلاثة أشياء ، ولم يتفق في أيهما العدد مع المعدود ، ولكن أذكرت أربعا وعدت أربعا . ( 4 ) الذاريات / 50 .